مقدمة سماحة الشيخ
عبـدالله بـن عبـدالرحمــن بـن جــبريــن
عضو الإفتاء سابقًا
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد سمعت هذه الرسالة الموسومة بـ"افعل ولا حرج"، بقراءة كاتبها فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة وفقه الله( )، وسرني ما تتضمنه من التسهيل والتوسعة على الحجاج؛ بحيث إن الكثير يتعرضون للزحام الشديد والمضايقات، والتي قد تؤدي إلى الوفيات، وإلى الأضرار، وإلى الصعوبة التي تشغل الحاج عن أهمية العبادة، وعن الحكمة والمصلحة التي شرعت لأجلها تلك العبادة، كما فصله الكاتب وفقه الله.
وهذا ما تطمئن إليه النفس في هذه الأزمنة التي تحدث فيها الوفيات، وزهوق الأرواح المحترمة، فنوصي بالتمشي مع هذه التسهيلات، فـ"إن الدين يسر - كما قال رسول الله ^ - ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا"( ). وعلى ما ذكر الله تعالى:
* ¨bخ*sù yىtB خژô£مèّ9$# #·ژô£ç" اخب & [الشرح:5].
وقد أضفت خمسة تعليقات هي:
(1) الوقوف بعرفة يجزئ أية ساعة ليلًا أو نهارًا، من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر يوم النحر، كما يدل عليه حديث عروة بن مُضَرِّس ا مرفوعًا: "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه"( ).
(2) نمرة داخلة في حدود عرفة، وعرفة واسعة جدًّا، وكذلك عُرنة (بالنون)، كما قال ^: "عرفة كلها موقف، إلا بطن عرنة"( ). وقال ^: "وارفعوا عن بطن عرنة"( ).
والوادي هو المنخفض الذي نهى النبي ^ عن الوقوف فيه.
وتمتد عرفة شمالًا نحو خمسة كيلومترات، وكانت حدودها قديمًا إلى نخل يسمى نخل بني عامر، ولكنه زال الآن.
وتمتد شرقًا إلى الجبال الشاهقة الرفيعة، وغربًا إلى الجبال أيضًا، وجنوبًا إلى الجبال المنخفضة الممتدة.
(3) الاحتياط في التحلل الأول أن يكون باثنين من ثلاثة، كما ذكره الفقهاء، ومنهم الشيخ ابن باز / في "التحقيق والإيضاح"( )، وهو الذي يترجح لي.
(4) السعي قبل الطواف جاء فيه حديث: سعيت قبل أن أطوف، قال: "لا حرج"( ). وقد اختلف العلماء في صحته.
والأقرب جواز تقديم السعي على الطواف إذا كانا في يوم واحد، حيث إن ظاهر الحديث يدل على أن السائل طاف وسعى في يوم واحد، وهو يوم النحر.
(5) أرى توسعة وقت الرمي للجمرات، وأنه ضروري في هذه الأزمنة، وفي الأزمنة السابقة كان الرمي يسيرًا، ولا مشقة فيه، أما الوقت الآن فقد تغير.
وأسأل الله التوفيق والهداية والقبول للمسلمين جميعًا، إنه جواد كريم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم..
أملاه:
عبدالله بن عبدالرحمن بن جبرين
27 / 8 / 1427هـ
مقدمة معالي الشيخ
عبـــدالله بــن سليمـــان بـــن منيـــــع
عضو هيئة كبار العلماء
الحمد لله القائل: * $tBur ں@yèy_ ِ/ن3ّ‹n=tو 'خû بûïدd‰9$# ô`دB 8ltچym & [الحج:78]، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد الموصوف باليسر والتيسير، فـ"ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا"( )، والقائل: "يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا"( ). والقائل: "افعل ولا حرج". وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد:
فلقد سعدت بقراءة رسالة مختصرة جليلة مفيدة بعنوان: "افعل ولا حرج" في بعض مسائل وأحكام الحج، لفضيلة الشيخ الجليل الدكتور سلمان العودة، ذكر فيها مجموعة من مسائل الحج، التي هي في عصورنا الحاضرة في حاجة مُلحّة إلى الأخذ بالتيسير والسير على منهج رسول الله ^: "افعل ولا حرج".. "يسروا ولا تعسروا".
من هذه المسائل: مسألة إفاضة الحجاج من عرفة قبل غروب الشمس جوازًا، والبقاء في عرفة إلى غروب الشمس استحبابًا، وجواز عدم المبيت بمنى ليالي أيام التشريق لمن كان له عذر أو لم يجد مكانًا في منى يبيت فيه. وجواز الرمي -رمي الجمار أيام التشريق- قبل زوال الشمس، استنادًا إلى قواعد التيسير ورفع الحرج، واتباعًا لمن كان أهلًا للاقتداء، كالإمامين: أبي حنيفة وأحمد، وقبلهما التابعيان: طاوس وعكرمة، وغيرهم من علماء سلفنا الصالح رحمهم الله.
إلى غير ذلك من المسائل التي ذكرها فضيلة الدكتور سلمان، ورأى أن التوسع والتيسير على حجاج بيت الله في أحكامها أمر تقتضيه قواعد التيسير ورفع الحرج، لا سيما في عصرنا الحاضر، الذي تكاثر فيه الحجاج، حتى أنهم بلغوا بضع العشرة من ملايين الحجاج، وعوامل تزايدهم تتوافر وتكثر، ومواقع المناسك محدودة زمانًا ومكانًا، ووسائل ترفه القادرين على الترفه والباذلين في سبيل الحصول عليه مهيأة وعلى حساب ضعفاء الحجاج.
كل ذلك يسوّغ الأخذ بمبدأ التيسير والتخفيف ورفع الحرج، ما لم يشتمل ذلك على مخالفة صريحة لنص من كتاب الله أو سنة رسوله ^، وقد أخذ فضيلة الشيخ سلمان جزاه الله خيرًا بهذا المبدأ، فجاءت رسالته القيمة إسهامًا في التيسير على حجاج بيت الله الحرام، ورفع المشقة عنهم.
وأتمنى أن فضيلته أشار إلى الازدحام الشديد في المطاف وفي المسعى، وأعطى رأيه المبارك في علاج هذا الازدحام الشديد الذي هو مقارب للمشقة البالغة في رمي الجمار.
وإسهامًا مني مع فضيلته في المناداة بالتيسير ورفع المشقة والحرج، فيمكننا توسيع المسعى، ببناء دور بين أرضه وسقفه، حيث إن ارتفاع سقفه عن أرضه قرابة اثني عشر مترًا، وكذلك بناء دور بين سقف أرضه وسقف السقف وهو السطح، ليكون لدينا للسعي خمسة مواقع عرض كل موقع قرابة عشرين مترًا، هذه المواقع الخمسة هي: الأرض، وما بين الأرض والسقف، والسقف، وما بين السقف والسطح، والسطح. ولا شك أن هذه توسعة مفيدة لا يترتب عليها مخالفة في زيادة عرض المسعى عما هو عليه الآن.
وكذلك الأمر بالنسبة للمطاف، فلئن كانت الظروف السياسية تؤثر على هدم مبنى الأتراك في الحرم الذي سطحه القباب، فيمكن أن يجعل فوق هذا المبنى جسر معلق، ليكون مطافًا مساندًا للمطاف، وليس في هذا إشكال من الناحية الشرعية؛ فالحجاج والمعتمرون يطوفون في الأروقة وفي السطح، وطوافهم فيها جائز، وطوافهم في الأروقة وسطح الحرم أبعد عن الكعبة من الطواف فوق هذا الجسر المقترح. وهذا علاج للإشكال في الازدحام في الطواف.
وقد تقدمت لخادم الحرمين -حفظه الله- بهذا الاقتراح، ووجَّه بدراسته والأخذ به، ولعل أمر ذلك لا يطول؛ فالحاجة تزداد إلى حد الاضطرار، وعلى أية حال فلا أظن أن أحدًا من أهل العلم
-سواء كان في محيط المسؤولية أم كان في مستواها خارجًا عنها- لا أظن أحدًا من هؤلاء ينكر أن الفتوى تتغير بتغير الأحوال والظروف إذا كانت محققة المقصد الشرعي غير مخالفة لنص صريح.
وابن القيم / يؤكد في كتابه القيم "إعلام الموقعين عن رب العالمين" أن الفتوى المحققة للمصلحة شرع الله.
وأختم هذا التقديم لهذه الرسالة الجليلة بهذا الدعاء: اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وجنبناه. واجز اللهم أبا معاذ سلمان العودة خير جزاء وأتمه، واجعل هذه الرسالة في موازين حسناته، والله المستعان.
أعد هذا التقديم:
عبدالله بن سليمان المنيع
مقدمـة معالي الشيخ
عبـــدالله بــن الشيـــخ المحفــوظ بــن بيـــه
وزير العدل بجمهورية موريتانيا سابقًا
وعضو مجمع الفقه الإسلامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، وبعد:
فلقد اطلعت على كتاب "افعل ولا حرج" لأخينا العلامة المستبصر الدكتور سلمان بن فهد العودة حفظه الله تعالى، وهو كتاب صغير الحجم، إلا أنه مشتمل على جمل مفيدة من العلم، وبخاصة مسائل الحج والعمرة، جاء في وقته وأوانه، متسمًا بالفهم والتدبر في مشكلات الحج في زمانه ومكانه.
ولعمري إنه لموضوع جدير بالاهتمام، بلغ سيله الزبى وحزامه الطبيين، بعد تكرار حوادث الازدحام التي تؤدي إلى هلاك الأنفس وتشويه صورة الإسلام، حيث يظهر معتنقوه بمظهر الفوضى وعدم الانضباط والانتظام، ويجد أعداء الدين -وهم كثر- فرصة للقدح والتجريح، وكلتا الحالتين منافية لمقاصد الشرع، ومنابذة لمقتضيات العقل والطبع.
وقد طلب مني التقديم لهذا العمل الذي أعتبره إنارة وإثارة؛ أما كونه إنارة، فإنه ينير طريق التيسير لمريد سلوكه، موضحًا بأدلته، وأما كونه إثارة، فإنه يثير لفيفًا من المسائل ينبغي أن تبحث بين الفقهاء لتحرير الفتوى فيها على ضوء الواقع، طبقًا لجدلية الدليل الكلي "المقصد" والدليل الجزئي "النص" وما في معناه من ظاهر أو اقتضاء أو مفهوم، حيث يتجلى فقه الفقهاء وفهم العلماء في مراعاة زوايا هذا المثلث الذي هو: الواقع المستجد من كل جوانبه؛ وهو هنا تزايد أعداد الحجاج، وضيق الرقعة الجغرافية، وذهاب الأنفس شبه المطرد، وتطبيق الحكم الشرعي الذي ينشأ عن نظرة متوازنة للكلي مع الجزئي، تضع نصب عينيها المقاصد الشرعية الأكيدة، دون أن تغيب عن بصرها وبصيرتها النصوص الجزئية، لما يؤدي إلى إيجاد نسبية لاطراد المقصد وشموله.. إن ذلك بعينه هو الوسطية التي لا يسع المتعاطي للفتوى إلا مراعاتها دون تقصير ولا شطط.
فأجبت الطلب، واختصرت هذه المقدمة في ثلاثة مطالب:
الأول: عن مقصد التيسير في الشريعة الغراء.
والثاني: توظيف اختلاف العلماء لرفع الحرج والمشقة عن الأمة، وذلك معنى كون الاختلاف رحمة.
والثالث: مقصد التيسير في الحج بخصوصه، وفتاوى بعض العلماء.
توظيف اختلاف العلماء لرفع الحرج والمشقة
عن الأمة، وذلك معنى كون الاختلاف رحمة
فقد فسر الشاطبي رحمة الخلاف بقوله: "إن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجًا من قسم أهل الرحمة.
وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة: ما رُوي عن القاسم بن محمد قال: "لقد نفع الله باختلاف أصحاب رسول الله ^ في العمل، لا يعمل العامل بعلم رجل منهم إلا رأى أنه في سَعة"( ).
وعن ضمرة عن رجاء قال: "اجتمع عمر بن عبدالعزيز والقاسم بن محمد، فجعلا يتذاكران الحديث، قال: فجعل عمر يجيءُ بالشيء يخالف فيه القاسم، قال: وجعل القاسم يشق ذلك عليه، حتى تبين فيه، فقال له عمر: لا تفعل، فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم"( ).
وروى ابن وهب عن القاسم أيضًا، قال: "لقد أعجبني قول عمر بن عبدالعزيز: ما أحب أن أصحاب محمد ^ لا يختلفون؛ لأنه لو كان قولًا واحدًا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة"( ).
ومعنى هذا: أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق؛ لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة -كما تقدم- فيصير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع خلافهم، وهو نوع من تكليف مالا يطاق، وذلك من أعظم الضيق. فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم * `tB zMدm§' y7o/u' & [هود:119]، فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها، والحمد لله"( ).
قال ابن عابدين في تعليقه على قول صاحب "الدّر المختار": "وعلم بأن الاختلاف من آثار الرحمة، فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر"-: "وهذا يشير إلى الحديث المشهور على ألسنة الناس، وهو: "اختلاف أمتي رحمة". قال في "المقاصد الحسنة": رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس ب، بلفظ: قال رسول الله ^: "مهما أوتيتم من كتاب الله؛ فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإنْ لم يكن في كتاب الله فسنة مني، فإنْ لم تكن سنة مني فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة". وأورده ابن الحاجب في "المختصر" بلفظ: "اختلاف أمتي رحمة للناس".
وقال ملا علي القاري: إن السيوطي قال: أخرجه نصر المقدسيّ في "الحجة" والبيهقي في "الرسالة الأشعرية" بغير سند، ورواه الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا.
ونقل السيوطي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول: "ما سرني أن أصحاب محمد ^ لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة".
وأخرج الخطيب أن هارون الرشيد قال لمالك بن أنس: يا أبا عبدالله! نكتب هذه الكتب -يعني: مؤلفات الإمام مالك- ونفرقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمة. قال: "يا أمير المؤمنين! إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكلهم على هدى، وكل يريد الله تعالى". وتمامه في "كشف الخفاء ومزيل الإلباس"( ).
وللاختلاف أسبابه المشروعة في الفقه، ولهذا اعتبر العلماء معرفة الاختلاف ضرورية للفقيه حتى يتسع صدره وينفسح فقهه.
فقد قال قتادة /: "من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه"( ).
وعن هشام بن عبيد الله الرازي /: "من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه"( ).
وعن عطاء /: "لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس، حتى يكون عالمًا باختلاف الناس"( ).
وقال يحيى بن سلام /: "لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إليّ"( ).
إلى غير ذلك من الأقوال، ويراجع الشاطبي في "الموافقات"، فقد عدَّ معرفة الاختلاف من المزايا التي على المجتهد أن يتصف بها( ).
إذا تقرر ما تقدم من جواز الاختلاف بين أهل الحق، فاعلم أن هذا الاختلاف قد يكون سببًا للتيسير والتسهيل، والتيسير مقصد من مقاصد الشريعة بنص الكتاب والسنة، كما مر عن الشاطبي وغيره.
وبناءً عليه: يوجد في المذاهب كلها العدول عن القول الراجح إلى قول مرجوح، لجلب مصلحة ترجحت، أو درء مفسدة، أو دفع مشقة عرضت.
ولهذا تقرر عند المالكية تقديم القول الضعيف الذي جرى به العمل على القول الراجح في زمن من الأزمنة أو مكان من الأمكنة لتبدل عرف أو عروض جلب مصلحة أو درء مفسدة، فيرتبط العمل بالموجب وجودًا أو عدمًا، كما يقول شارح التحفة. وبنوا على ذلك مئات المسائل.
وقال ابن عابدين كذلك بجواز الإفتاء بالضعيف للضرورة، وذكر أبياتًا في ذلك:
ولا يجوز بالضعيف العمل
ولا به يجاب من جا يسأل
إلا لعامل له ضروره
أو من له معرفة مشهوره
ومعنى ذلك: أن مقصد التيسير يرجح القول الضعيف فيتعين العمل به لعروض المشقة، فمعادلة المقصد الكلي بالنص الجزئي مؤثرة في الفتوى على مدار الأزمنة.
يقول ابن القيم / في تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال: "هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالّة عليه وعلى صدق رسوله ^"( ).
وتغير الزمان المشار إليه هو تغير أحوال الناس، فالحجيج الذين كانوا يعدون بالآلاف أصبحوا يعدون بالملايين، والأنفس القليلة التي كانت تموت في موسم الحج أصبحت تعد بالمئات.
ومحل الشاهد منه أن الإبقاء على أحكام الجزئيات التي تخالف مقاصد الشريعة وتؤدي إلى مشقة وإعنات، مخالف لروح الشريعة وغلط.
وأي مشقة أعظم من ذهاب الأنفس في الزحام والإثخان بالجروح والآلام، ألا يستحق الأمر اجتهادًا؟
قال ابن عابدين في نفس المعنى: "فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان، لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام، ولهذا ترى مشايخ المذاهب خالفوا ما نصَّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمانهم لقال بما قالوا به أخذًا من قواعد مذهبه"( ).
وقال أيضًا: "ثم اعلم أن كثيرًا من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه، قد تغيرت بتغير الأزمان؛ بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة كما قدمناه".
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، والصلوات والتسليمات الطيبات على النبي محمد وآله، ورضوان الله على الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان... ثم أما بعد:
فهذه ورقة مختصرة في مسائل الحج وتيسيراته، انتزعتها من مادة أطول هي شرح كتاب الحج من"عمدة الفقه".
وعالجت فيها بعض القضايا التي تمس الحاجة إليها، ويكثر السؤال عنها، وتعم البلوى بها، ويحتاج الخلق فيها إلى التوسعة.
وقد نشرت هذه المادة على حلقات في موقع "الإسلام اليوم"، وفي بعض الصحف السيارة، ولقيت قبولًا عند القراء وثناء من بعض الشيوخ والفضلاء، وتحفيزًا على طبعها ليعم نفعها.
ورحم الله امرًأ أضاف أو دعا أو صحَّح أو نقَّح..
والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.
من مقاصد الحج العظيمة أن يتربى الناس على ترك الترفّه والتوسع في المباحات؛ ولذا يتخفف الحاج من ثيابه، إلا ثياب النسك؛ إزار ورداء مجردان، ليس فيهما زينة ولا تكلف.
وهو تذكير بالفقر المطلق للعبد، وخروجه من الدنيا كما دخلها أول مرة، بما يدعو إلى الاستعداد للقاء الله.
ومن هذا الباب -والله أعلم- جاء النهي عن التطيب، والأمر بترك الأظفار والشعر، وتجنب الوصال الجسدي مع المرأة بالجماع، وترك دواعيه وأسبابه من عقد النكاح فما بعده..
ومع هذا جعل الله في الحج سَعة لا توجد في غيره من العبادات، ومن هذا ما رواه البخاري ومسلم، من حديث عبدالله بن عمرو ابن العاص ب، أن رسول الله ^ وقف فى حجة الوداع بمنًى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: "اذبح ولا حرج". فجاء آخر فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج". فما سئل النبي ^ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج"( ).
وهكذا يحسن أن يكون شعار المفتي فيما لا نص فيه، أو في جنس ما أفتى به النبي ^: "افعل ولا حرج".
والسنة المحمدية تجمع التيسيرات التي تفرقت في كتب الفقه، فإن من العلماء من يأخذ بهذه الرخصة ولا يأخذ بالأخرى، ومنهم من يأخذ بغيرها ويدع هذه، بينما السنة وسعت ذلك كله.
فمن قدم أو أخر في أعمال يوم النحر فلا حرج عليه.
وهذا لا يوجد في غير الحج، فلو قدم الركوع على السجود، أو القعود على القيام في الصلاة لما صحت صلاته إجماعًا.
وهكذا ما يتعلق بالنية، وهي من أعظم شروط العبادة، فالحاج ينويه فريضة فينقلب إلى نافلة، كمن قال: سأحج هذا العام نفلًا للتدريب، وأجعل فرضي عامًا آخر، فيقع حجه فرضًا، ولا عبرة بنيته.
ومثله لو حج حجًّا لم يرق له وفرّط وضيّع، وقال: أجعله نافلة، وأجعل حجي هذا العام فريضة. فسيكون ما نواه نفلًا هو الفريضة، وما نواه فرضًا هو النافلة، خلافًا لقصده.
وقد ينوي الحج عن غيره فيقع عنه هو، كمن نواه عن فلان وهو لم يؤد الفريضة، وفي حديث ابن عباس ب، أن النبي ^ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: "من شبرمة؟". قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: "حججت عن نفسك؟". قال: لا. قال: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة"( ).
وفي مسألة الحج عن الغير قبل النفس خلاف مشهور.
وقد يحرم بنسك مبهم غير معين، كما أحرم علي ا، فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ا قال: قدم علي ا على النبي ^ من اليمن، فقال: "بم أهللت؟". قال: بما أهل به النبي ^. فقال: "لولا أن معي الهدي لأحللت"( ).
وحتى محظورات الحج فيها توسعة:
فحلق الرأس محظور بالكتاب والسنة والإجماع، وإذا احتاج إليه حلق وفدى؛ كما في قصة كعب بن عجرة ا في البخاري ومسلم؛ أنه قال: أتى عليَّ النبي ^ زمن الحديبية، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟". قلت: نعم. قال: "فاحلق، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكةً"( ).
وكذلك التوسعة في لبس الإزار ولو كان مخيطًا؛ لكن ليس على هيئة السراويل، بل تخاط تكة( ) ويرسل، دون أن يُفصل منه كم عن آخر، وقد حكى ابن تيمية الإجماع على جوازه.
والأصل في ذلك ما رواه البخاري ومسلم، عن ابن عمر ب عن النبي ^، أن رجلًا سأله: ما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبًا مسه الورس، أو الزعفران، فإن لم يجد النعلين؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين"( ).
والمقصود بالمخيط هو ما عبَّر عنه بعضُ الفقهاءِ بقولهم: "المخِيط: المـُحِيط"، أي: بالبدنِ أو العضوِ. وإن كانت الكلمة لم ترد في القرآن، ولا في السنة بهذا الاصطلاح.
وقد وقع بها لبس عند البعض، فقالوا: كل مخيط لا يلبس، والعلة هي الخياطة.
وهذا غلط، فلو انشق الإزار أو الرداء اللذان يلبسهما فخاطهما، ثم لَبِسَهُما؛ فلا شيء عليه بالاتفاق.
فهناك توسعة وإذن شرعي في لبس المخيط الذي يكون إزارًا في أسفل البدن؛ فما كان يسمى إزارًا، فإنه يجوز لبسه حال الإحرام.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية / في "شرح العمدة": "إن فتق السراويل يجعله بمنزلة الإزار، حتى يجوز لبسه مع وجود الإزار بالإجماع".
وقال أيضًا: "أما إن خِيط أو وُصِل لا لِيُحيط بالعضو ويكون على قدره؛ مثل الإزار والرداء الموصل والمرقع ونحو ذلك، فلا بأس به، فإن مناط الحكمِ هو اللباسُ المصنوعُ على قدر الأعضاء، وهو اللباسُ المحيطُ بالأعضاء، واللباسُ المعتادُ"( ).
وفي "المجموع" للنووي، و"المغني" لابن قدامة، وغيرهما قريب من هذا( ).
وكذلك لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، وفي مشروعية قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين نزاع بين أهل العلم:
فعدم مشروعية القطع هو المشهور عن أحمد، وقطعهما مذهب الجمهور.
واحتج أحمد بحديث ابن عباس وجابر ب: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين"( ). فليس فيهما قطع الخف، وقد قال النبي ^ ذلك بعرفات؛ مع أن كثيرًا من الذين حضروا بعرفات لم يشهدوا كلامه بالمدينة والذي فيه الأمر بالقطع، فدل ذلك على أن هذا ناسخ لما قبله، وهو آخر الأمرين منه ^، مع قول علي ا: "قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما". مع موافقة القياس، فإنه ملبوس أبيح للحاجة، فأشبه السراويل، وقطعه إتلاف للمال( ).
وثمت أمور يتورع عنها بعض الناس، وقد يذكرها من الفقهاء من يذكرها بدون دليل، فالأصل التوسعة على الناس فيها.
ومن ذلك: التورع عن الاغتسال حال الإحرام:
وقد قال أحد الصحابة ا: "إني اغتسلت في إحرامي في يوم واحد سبع مرات".
وعن يعلى بن أمية ا قال: بينما عمر بن الخطاب ا يغتسل إلى بعير وأنا أستر عليه بثوب، إذ قال عمر ا: "يا يعلى! أصبب على رأسي؟". فقلت: أمير المؤمنين أعلم. فقال عمر بن الخطاب ا: "والله ما يزيد الماء الشعر إلا شعثًا". فسمى الله ثم أفاض على رأسه( ).
يريد ا أن غسل الرأس بالماء ليس طِيبًا ولا بمعناه، وإنما هو تنظيف محض.
وعن ابن عباس ب قال: "لقد رأيتني أماقل - والمماقلة: التغطيس في الماء - عمر بن الخطاب بالجحفة، ونحن محرمان"( ).
ومثله أن ابن عمر ب كان يترامس - والترامس: التغاطس- هو وابن عباس ب وهما محرمان( ). أي يغوصون في الماء، ويتنافسون أيهم أكثر بقاءً دون أن يتنفس!
وروى البيهقي، وغيره، عن عبدالله بن عمر ب، أن عاصم ابن عمر وعبدالرحمن بن زيد وقعا فى البحر يتماقلان، يغيِّب أحدهما رأس صاحبه، وعمر ينظر إليهما، فلم ينكر ذلك عليهما( ).
وأنت تلحظ في هذا نوع دعابة وتبسط من الخليفة العظيم عمر الفاروق ا، مع شاب كابن عباس، حرصًا على القرب من مشاعر الشباب وأحاسيسهم وعواطفهم وميولهم، وهذا من الحصافة والفقه والمعرفة وبناء الصلة بين الأجيال؛ لئلا يقع الانقطاع بين الشيوخ والشباب.
وكم هو عجيب أن يقع هذا وذاك من أصحاب محمد ^ وهم مُحرمون، ولم يروا به بأسًا، وكانوا، كما وصفهم ابن مسعود ا: "أقل هذه الأمة تكلفًا"( ). وقد فتحوا الدنيا، ونشروا العدل، وأقام الله بهم الملة، وهم هكذا بكل عفوية وفطرية يفتقدها اليوم الكثير من المربين فضلًا عن غيرهم، وربما تدينوا بتركها، أو رأوا فيها ما يدل على خفة فاعلها أو نقص رزانته!
بل قد روى البخاري، ومسلم، عن عبدالله بن حنين عن عبدالله بن عباس والمسور بن مخرمة ب أنهما اختلفا بالأبواء، فقال عبدالله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه. فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري ا أسأله عن ذلك، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستتر بثوب. قال: فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبدالله بن حنين، أرسلني إليك عبدالله بن عباس، أسألك كيف كان رسول الله ^ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب ا يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب: اصبب! فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، ثم قال: "هكذا رأيته ^ يفعل"( ).
فهذا كله من التوسعة.
ومثل ذلك: شم الريحان، والتختم، ولبس الهِميان، والتداوي، ودخول الحمام:
قال البخاري/ في صحيحه: "قال ابن عباس ب: "يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن".
وقال عطاء: "يتختم ويلبس الهِميان( )".
وطاف ابن عمر ب وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب.
ولم تر عائشة ل بالتُّـبَّان( ) بأسًا للذين يرحلون هودجها"( ).
قال ابن حجر / في فتح الباري: "وكأن هذا رأي رأته عائشة (أي: جواز لبسه) وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التُّـبَّان والسراويل في منعه للمحرم"( ).
وسئل عثمان ا: أيدخل المحرم البستان؟ قال: "نعم ويشم الريحان!"( ).
ودخل ابن عباس ب حمام الجحفة وهو محرم، فقال: "إن الله لا يصنع بأوساخكم شيئًا"( ).
وقال أيضًا: "المحرم يشم الريحان، ويدخل الحمام"( ).
والحمام هنا: ليس هو مكان قضاء الحاجة، بل هو المكان الحار الذي يزيل الوسخ عن البدن بواسطة الحرارة، كما يعرف اليوم بـ(الساونا والجاكوزا) وغيرها.
فالنظافة والجمال وطيب البدن مطالب فاضلة للحاج وغيره، إلا ما ورد النص بالنهي عنه.
ومثله التبرد بالماء البارد أو المكيف أو المروحة، أو الاستظلال بشجرة أو سيارة أو سقف أو شمسية، فهو حسن، ولا يشرع تجنبه.
ولو حمل على رأسه شيئًا لم يضره، لأنه لم يقصد التغطية.
ومن الطريف أن رجلًا سأل الشعبي: أيحك المحرم جلده؟ قال: نعم. قال: إلى أين؟ قال: إلى أن يبلغ العظم!
ومن التيسير: جواز الأنساك الثلاثة: التمتع، والإفراد، والقران، وهذا إجماع، أو شبهه عند أهل العلم( ).
وقد ذهب الشيخ الألباني / إلى وجوب التمتع( )، ونسبه لابن عباس ب وغيره، ولا أراه يصح عن ابن عباس أن يقول بالتحريم على وجه الإطلاق، وهو لا يرى العمرة للمكي، ومعناه أن المكي لا يتمتع.
وقال قوم: إن الأنساك الثلاثة سواء في الفضيلة.
والأجود: أن القران أفضل لمن ساق الهدي، وأن من أدى العمرة في أشهر الحج ثم رجع إلى أهله فالأفضل في حقه الإفراد.
وهذا خلاصة ما قرره جمع من أهل العلم.
والمقصود: أن في الأمر سعة، ولا تثريب في ذلك، وعلى المفتي أو طالب العلم أن يراعي أحوال الحجاج، وأن يجعل شعاره كما سبق "افعل ولا حرج" طالما أن في الأمر سعة ورخصة.
كما أن على المفتي أن يدرك اختلاف الناس وتنوع مشاربهم ومذاهبهم وأقوال المفتين لديهم، وحملهم على قول واحد أو مذهب واحد مُتعسّر بل متعذر، وسعة الشريعة لا تحكم بضيق هذا المذهب أو ذاك في بعض الفروع والمسائل.
ومن ذلك: أن التحلل الأول يقع برمي جمرة العقبة، فإذا رماها يوم العيد حل له كل شيء إلا النساء.
وهذا مذهب مالك، وأبي ثور، وأبي يوسف، ورواية عن أحمد، والشافعي، وبه قال علقمة، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعطاء.
قال ابن قدامة في "المغني": "وهو الصحيح إن شاء الله تعالى"( ).
بل عند ابن حزم أنه يحل له ذلك بمجرد دخول وقت الرمي ولو لم يرم( ).
وهو آخر القولين لشيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز /( ).
واستدلوا بما رُوي عن ابن عباس ب أنه قال: قال رسول الله ^: "إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء، إلا النساء"( ).
وبما رُوي عن عائشة ل أنها قالت: قال رسول الله ^: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء، إلا النساء"( ).
وحديث ابن عباس وعائشة ب، وإن كان فيهما ضعف، إلا أنه قد صححهما بعض المعاصرين كالشيخ الألباني /( ) وغيره، ويشهد لهما فتاوى الصحابة ي، وحديث أم سلمة ل في معناهما( ).
ومن الرخصة ما يتعلق بالمبيت بمنى:
وقد فعله النبي ^ وأصحابه ي، وكان جماعة من فقهاء الصحابة يرون وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق على مَن قدر على ذلك، ووجد مكانًا يليق بمثله، وهو قول الجمهور( ).
لكن دلت الأدلة على سقوط المبيت عمن لم يجد مكانًا يليق به، وليس عليه شيء، وله أن يبيت حيث شاء في مكة أو المزدلفة أو العزيزية أو غيرها، ولا يلزمه المبيت حيث انتهت الخيام بمنى.
وليست الطرقات والممرات بين الخيام وأمام دورات المياه والأرصفة وشعف الجبال مكانًا صالحًا لمبيت الآدميين مبيتًا يتناسب مع روح هذه العبادة العظيمة.
ومما يدل على ذلك: حديث ابن عمر ب قال: "استأذن العباس رسول الله ^ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل السقاية، فأذن له"( ).
وإذا ثبتت الرخصة في ترك المبيت بمنى لأهل السقاية، وهم يجدون مكانًا للمبيت بمنى، فمن باب أولى أنْ تثبت لمن لم يجد بمنى مكانًا يليق به.
ومن ذلك: أن رسول الله ^ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر( ).
والذي لا يجد مكانًا يصلح للمبيت بمنى أولى بالرخصة من رعاة الإبل، وهذا ظاهر.
وهذا ابن عباس ب يفتي الحجيج بأنه: إذا كان للرجل متاعٌ بمكة يخشى عليه الضيعة إن بات بمنى، فلا بأس أن يـبيت عنده بمكة( ).
وألحق أهل العلم بمن تقدم كلَّ من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يحتاج أن يتعهده، أو يلحقه ضرر أو مشقة ظاهرة.
وفي معنى هؤلاء في جواز الترخص بترك المبيت بمنى، بل أولى به منهم: من لا يجد مكانًا يليق به يبيت فيه، وكذلك من خرج ليطوف بالبيت الحرام فحبسه الزحام حتى فاته المبيت بمنى؛ فإنّ تخلفهما عن المبيت بمنى سببه أمر خارجي، ليس من فعلهما، ولا يستطيعان رفعه.
التيســـير فـي الدمــــــاء
ومن التيسير: عدم إرهاق الحجيج بكثرة الدماء؛ فإن الفتوى أحيانًا تُلزم الحاج بدم كلما ترك واجبًا، بناء على أثر ابن عباس ب: "من نسي من نسكه شيئا أو تركه، فليهرق دمًا"( ).
وهو أثر صحيح؛ ولكنه فتوى واجتهاد، وقد كان كثير من السلف لا يلزمون به، ولكنهم يراعون حال السائل من الغنى والفقر وغير ذلك.
وقد أسقط الشارع بعض الواجبات كطواف الوداع عن الحائض، والمبيت بمنى عن الرعاة ومن في حكمهم إلى غير بدل، ولم يلزمهم بشيء، وهذا ثابت معروف في السنة( ).
بينما في فعل المحظور ورد حديث كعب بن عجرة ا في الإذن بحلق الرأس مع الفدية( ).
ولم يثبت في السنة المرفوعة خبر في إيجاب الدم لترك الواجب، ويمكن أن يراعى في هذا أحوال الناس.
وبعد، فهذا آخر ما أردت عرضه، وقد راعيت انتقاء المسائل التي يحتاج عامة الناس إلى مراعاة اليسر فيها، واختصرت في ذلك، إذ قد تتبعتها وبسطتها في كتاب "شرح العمدة"، والذي سيظهر قريبًا بإذن الله.